الثـــــــــــــــــــــــــــ ــــــــانية
انفجر الطموح بيومٍ من الأيام بأحد فتيان القرية
وما فجّره إلا الحاجة والفقر المُدّقع
فهجر القرية إلى حيث لا يعلم
يبحث عن قوته ليسّد حاجته ويعيل أهله.
هذا ما صار قبل عشرات السنين مع أحد أبناء هذه القرية
فذهب هائماً على وجهه ـ سبحان الله ـ
أقلقه ما كتب الله له من رزق فذهب إليه سعياً
فطاف بأرض الله الواسعة
يعمل .... ويعمل .... بعيداً عن قريته وبساطتها
بمدينةٍ تعّج بالناس باختلاف أجناسهم
فتح الله عليه
حتى أصبح من التجار المرموقين
وصار له بنات وبنين
لكنه لم يفقد ما بقلبه من طيبة وصفاء
فقد اكتسب من هذه القرية حب الخير
جعل من القرية منتجعاً يزوره من حينٍ لآخر
يستمتع بهدوئها .... يسامر أهلها ....
صار يزور قريته الصغيرة ليومٍ أو يومين في السنة
ليعيش ذكريات السنين العجاف
وما أجمل الذكريات المؤلمة فهي تذكّر بنعم الله .
في أحد زياراته لقريته مع عائلته لم تستطع زوجته كبح إعجابها بمُنى
صارت ترمقها بعينٍ إعجابٍ .... بجمالها ..... بعقلها ..... برزانتها .... وبدينها
فتخيلتها زوجةً لأبنها الذي بسّن الزواج
ولكنها آثرت السكوت لحين عودتهم لمدينتهم
لتفاتح أبنها وزوجها
بساعة صفاء وهدوء
بعد أن تعرف رأي ابنها بعيداً عن التأثيرات الخارجية في القرية
وخوفاً من الإحراج في حالة تسرب بعض الكلام قبل معرفتها
رأي ابنها وأبيه
في لحظة هدوء بحديقة منزلهم الفخم بالمدينة
كانت تجلس مع ابنها بعد قدومه من عمله
سألت ابنها بلهجتها التي لازالت تطغى عليها أساليب أهل القرية قائلة
تبي أجيب عشاك يا وليدي .....
وأردفت .... عسى الله يرزقك اللي تعشيك وتسعدك
ابتسم وهو ينظر أليها بنظرة بّر وإجلال
هي لم تنتظر إجابته
قالتها وهي متجهه إلى الداخل لتحضر ما يسّد جوع فلذة كبدها
ولكن كان يهمها جواب مرادف سؤالها أكثر من السؤال نفسه وكانت الابتسامة كافية .
بعد العشاء وبعد هذه الابتسامة التي مهدت لها الطريق
أعادت عليه سؤالها مرة أخرى ولكن بوضوح وصراحة
تراني أبدور لك بنيّت حلال ..... ودي أشوف عيالك,
ـ أكيد انك مدورة وخالصة .... أمي وأعرفك,
ـ أي والله يا وليدي حاطه يدي على بنت حلال ,
زين .... أدب..... دين .....وسمعة طيبة
ولم تعطه فرصة للكلام
آثرت أن ترمي الحجر بالماء الراكد
فأكملت كلامها
تعرف ....مُنى ؟ .... وسكتت
لم يجب بكلمة واحدة فهو يعرفها عّز المعرفة
رآها قبل حجابها صغيرة .... وقد بهره جمالها
وسمع عنها كبيرة ...... فأدهشه ما قيل عنها
السمعة الطيبة للبنت تجعل الكل يتمنى الارتباط بها
رأى صورتها قبل حجابها بخيالة وكأنه يراها حقيقة
وصارت أذنه تسمع ما يقال عنها وكأنه في مجلسِ من مجالس القرية
فكان جوابه مباشراً .... ولا إرادياً
ـ اللي تشوفينه يا أمي فيه بركة
فعلاً أمه رمت الحجر ولكن ليس في ماءٍ راكد
بل بين أضلعه فاهتزت جوانحه
لاحظت اهتمامه الصامت إلا من كلمات متلعثمة لا يُفهم لها معنى
فقرأت جواباً بليغاً من نظرة عينيه
أنتشت بتخّطي أول مرحلة
فلم يبقى إلا موافقة والده والتقدم لطلب العروسة
تعرف أن زوجها لن يمانع وكان ظنها بمحلة
عرضت عليه فوافق بدون شرط أو قيد
بقي الذهاب للقرية وطلب يد مُنى من أهلها
لم يطول الانتظار فقد كانت إجازة العيد قريبة .
ذهبوا هناك
تقدموا ولم يجدوا إلا الترحيب .... فهم كما يقول المثل الشعبي
ـ عيال قريّة كلٍ يعرف أخيه ـ
أصبحت مُنى مخطوبةٍ لشاب لم تكن تحلم به ولم يمر على خاطرها حين ما كانت تسرح في أجواء مستقبلها
أحلام وردية بدأت تداعب قلب مُنى
يخالطها خوفٌ من المجهول فهي ترى نفسها
كسمكة رحلت من حوضٍ للزينة إلى بحرٍ واسع
لم تفكر بيومٍ من الأيام فراق قريتها الصغيرة
وإذا بها سترحل إلى العالم فهي تسمع عن خطيبها,
انه يعمل بكل مكان يسافر أحيانا كثيرة لمتابعة أعماله
أفرحها وأقلقها أنها ستفارق الساقية ومائها المنساب بهدوء
وعصافيرها التي تهوي من أعلى النخلة لتشرب برشاقة
ستفقد صوت ديكهم وثغاء بقرتهم
ستفارق عشاً عاشت به أحلامها الوردية
سُتبعد عن صديقاتها البسيطات بطيبتهن إلى حيث لا تعلم
والأيام تمر بسرعة حتى ....................
تابعوني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق