الثلاثاء، 18 يناير 2011

- 6 - زنرانة الإعدام


غرفة صغيرة لا تتعدى مساحتها بضعة أمتار
أوصد بابها بإحكام
رأيت بصيص نور يتسلل من بين سياج نافذتها الوحيدة
سألت نفسي ما عسى أن يكون بداخلها
كونها بأطراف المدينة
تذكرت تلك الطفلة البائسة وعلب الحلوى التي تبيعها
لماذا أبعدت هذه العلب عن باقي العلب
فضولي أقلقني لمعرفة السبب
توجهت إلى تلك الغرفة


ترجلت وطلبت السماح بالدخول عليهم
سّلمت فحيوني بمثل ما قلت


أربعة شباب لم يبلغ أكبرهم الرابعة والعشرون
تحلقوا على وجبة عشاء لم يراعى فيها النظام
أرغفة خبز منتثرة على السفرة
كيس من البلاستك يحوي علب مشروب غازية
أواني من البلاستك تحوي شيئاً من الفول والعدس
عرضوا مشاركتهم وجبتهم فشاركتهم

لملموا بقايا العشاء ووضعوها جانباً
ثم تحلقوا مرة أخرى ليديروا ورقة لعب
وزعوا الورقة بينهم كفريقين
ظهرت علامات التحدي للكسب
حتى اللعب لم يتقنوه جيداً
رغم تهديد المغلوب بأن يكّر مرة أخرى
ذكرني الكّر بالخيل
فغصت بخيالي بصفحات التاريخ
لأيام الفتوحات الإسلامية
لأراها تفّر لتكر بين يدي شباب بأعمارهم

بعد الجولة الأولى من لعبهم
حاولت تذكيرهم بحالهم
كيف يروق لكم اللعب وأنتم بسجنكم تنتظرون الإعدام

نظروا إلي نظرات متباينة
أحدهم قرأت في عينيه الخوف
والآخر نظر نظرة مليئة بالسذاجة
والثالث نظرة ذكية مبتسماً ابتسامة تخفي شيئا
والرابع نظرة بلا لون أو طعم فلم اعرف ما مكنونها


تذكرت موقفاً مّر بي في ساعة كانت الحياة فيهاعزيزة
عندما أقلعت الطائرة وكنت أحد ركابها فأصابها عطل
صارت تتهاوى بعد إقلاعها بنصف ساعة
فتباين الناس بتقبل الموت
إلا أن الجميع بان عليهم الهلع والخوف
حتى القبطان والمضيفين أثناء الإعلانات أصواتهم ترتجف
عدا ثلاثة شباب كانوا يقهقهون ويضحكون
ولا أدري هل هم شجعان أم أنهم لم يحسوا
وهاهو موقف أصحابي بتصرفهم وهم بين يدي الموت
يذكرني بهم .


أنهوا لعِبهَم
حاولت لفت انتباههم بطرفة فابتسموا ثم عدت لحواري
تألمت لحالهم
نظرت لصاحب النظرة الخائفة فبادلني نظرة أخرى
كأنه ينتظر
قررت البدء به فهو نقطة الضعف فوجهت إليه سؤالي

ما يعني لك الإعدام ؟ .... فلم يجب
فأردفت ... أنه الموت ... مغادرة هذه الدنيا
فعندما تغادر فلن يذكرك أحد إلا قليلاً من المقربين
ومع الوقت ستنتهي هذه الذكرى
ولو بقيت لشهور أو سنين
نظر الآخرون لي فأحسست أني نجحت نوعاً ما
صرت أتكلم مع الجميع
رأيت في ملامح صاحب النظرة الذكية كلام فلم أعطه الفرصة
علمت أنه سمع كلمة أسقطتها هنا
حاول كثيراً ومراراً أن يقاطعني فدخلت عليه من بابٍ يحبه
أوهمته أنه يعرف أصول النقاش
وهو الإنصات ثم الكلام بعدما ينتهي المتحدث
ووعدته بأن أعطيه الفرصة فسكت وهو منتشياً
ثم أردفت
هل منكم من فكر كيف سيموت ؟
وما شعوركم عندما ينتزعون أحدكم من بينكم
وأنتم تنظرون وتنتظرون
ألستم متأكدون أن هذا سيكون
ومالي أراكم لم تتأهبوا لذلك

تصوروا
عندما يدخل أحدكم ما يشبه الغيبوبة
وروحه وصلت حلقومه
والناس من حوله مصطفين لا يعلمون ما حاله
وبأي عالم هو
فيرى ما لا يرون ويبصر ما لا يبصرون
ويسمع ما لا يسمعون
وهو لا يستطيع مجرد التعبير عما به
أفرح يغشاه أم ألم يحرقه
وليس الألم هناك كالألم هنا
فالألم هنا يتخلله شيء من الأمل
أما هناك فسواد
سيكون مكبل بدون قيود فلا كلام ولا حركة
فجميع حريته مسلوبة
وليس أمامه إلا أحد الطريقين
سعادة أو شقاء
وأنتم تملكون الآن بعض الحرية فما فعلتم بها
وهل استغليتموها لسعادتكم حين تسلب حريتكم

ثم نظرت لمن أراد الكلام صاحب النظرة الذكية
فأعطيته الفرصة ليقول ما لديه
فقال : لما تقول أننا محكومون بالإعدام
وأنت تعلم أننا باستراحة بأطراف المدينة
صحيح أنك قلت تخيلوا ( وهي ما أسقطتها )
لكن هذا فأل غير حسن


قلت لهذا أسكتك فأنتم وأنا والجميع
فعلاً محكوم علينا بالموت
وما الموت إلا الإعدام
وهذه الدنيا هي سجننا ألم تدرك ذلك أيها الذكي
أم أنك ستقول لازلنا صغارا
فالمأمور بتنفيذ الحكم لا يُفرّق بل ينظر لمن دقت ساعته
فينتزعه من بين أصحابه وأحبابه
فما الفائدة عندما تكون بسجن مرفـّه وكل ما تريده تجده
وأنت تعلم بالحكم ولا تدري متى التنفيذ
وما أصعب أن نعلم بالشيء ولا ندري متى

أيهما أفضل
أن تكون بسجنٍ كئيب وأنت موعود بأن تخرج لقصور وأنهار
وليس مطلوب منك إلا حُسن السيرة والسلوك بسجنك
أو أن تلعب وتلهوا بسجنك فيباغتك الخروج إلى سجن كئيب
وأي كآبة
بل سياط وعذاب وألم لا ينتهي
إن كنت بهذه سعيداً فكن بتلك أسعد
وإن كنت تعاني بهذه فلا تهتم فالخروج قريب فقط أعمل لتسعد بتلك

فجميعنا بهذا السجن
وجميعنا بزنزانة الإعدام

يتبع
عالم لا يرى الشمس هــــــنا



ابوسليمان

الرياض 17-01-2011






ليست هناك تعليقات: