الثلاثاء، 21 ديسمبر 2010

- 4 - عكس عقارب الساعة


عدت بساعة مركبتي خمس دقائق فعادت بي قرابة مائة عام أو أقل قليلا
خرافية تلك المركبة
هي أيضاً خيالية بعالم الخيال

عندما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود كنت على أُهبة الاستعداد للتحليق
صار الكون كمحبرة لونها اسود خالطه ماء زلال
ابيض شيئاً فشيا
إلى أن طغى البياض على السواد
الله أكبر
تذكرت تلك المصابيح التي أقلقت الظلام محاولة العبث بعنفوانه
وهاهو السراج يبزغ من ناحية الشرق ليفتك بالظلمة جميعها

أين العقول أين العلماء والمخترعين
أين المصابيح العملاقة والقنابل الضوئية
هل فعلت شيئا بهذا الظلام سوى نقطة لا تكاد تُرى
وهذه التي سماها الله سراجاً قتلت العتمة
وكلنا نعرف السراج وضعفه
أين انتم يا من لم تتأملوا خلق العظيم
وركنتم إلى مخترعاتكم هل لكم أن تجاروا هذا السراج
لن تستطيعوا
فاتقوا ما هو أعظم اتقوا ما قال الله عنها ترمي بشرر كالقصر

غارت النجوم وما هي إلا لحظات
حتى ابتلعها النور واحدة تلو الأخرى
أحسست أن الضياء يلتهمها مبتدأً بصغارها
نور يلوح من بعيد يزيد رويداً رويدا
تلال بالشرق تعانق سحباً كثيفة ومتقطعة
تحادثها ... وأي سر تقوله ؟

بلون الذهب أرى شعاع يشع بين الغيوم والتلال
أهذا هو السر الذي أسرت به تلك التلال للسحب لتّحمر وجنتيها
الشمس حمراء خجِله تطل بينهما
بخيلاء وهوادة خرجت من مخبئها خلف التلال
استقبلتها السحب لتواريها قليلاً
نعم هذا سرهم ...
هو احتفاء بالقادمة وتبادل أدوار لحجبها ثم أطلاقها
حجبوها لتكتمل اللوحة الفنية التي صنعها الخالق سبحانه

غردت الطيور بألحان الفرح وترانيم الأمل
ابتسمت الأزهار واستقبلت ما يحوم حولها
فراشة تعبق شذاها لتنثره عطراً
نحلة تعانقها لتصنع من رحيقها العسل
تمايلت أغصان الأشجار بنشوة وفرح
رأيت أغصانها تلوح للشمس
قطعان الأغنام متناثرة بين المروج الخضراء
تناغم الطبيعة يذهب بالألباب

ارتفعت قليلاً
أحسست بصفاء ونقاء لم أعهده
لا مصانع لا سيارات أو هواتف حتى الكهرباء معدومة
الطبيعة مسيطرة والنقاء بلا حدود

قرية صغيرة
بيوتها طينية متلاصقة لا تتعدى عشرون بيتاً
حجمها مجتمعة يوازي حجم قصر صغير من بيوتنا
كل القرية لا يتعدى حجمها هذا الحجم
تطلعات بسيطة
الهم الوحيد من الدنيا هو قوت اليوم وباقي الهموم هموم الدين
لا حقد ولا حسد كأنهم أسرة واحدة
يزرعون ليأكلوا ويأكلون ليتعبدوا

هبطتُ غير بعيد لأعيش هناك للحظات
تخيلت أنهم برحلة بريه
هم أيضاً تناغموا مع الطبيعة

متطلباتهم سهلة وأدواتهم بسيطة

صرت أرقبهم فتصارعت لدي المشاعر
ابتسم لأحزانهم
وأحزن لأفراحهم
انقلبت المفاهيم فأنا أنظر بتجرد ومن فوق
خارج زمنهم

في بستان صغير يضم عدد من النخيل
تتخللها أشجار مثمرة
وتحفهما أشجار لا ثمر فيها جعلوها كحدود ملكية
واستغلوا أخشابها لسقف بيوتهم

رجلاً أنهكه الكّد والتعب
نائم قبيل الظهر تحت شجرة متطرفة
ما لبث إلا أن فزع يصرخ بأعلى صوته
أظن مكروهاً أصابه
استخدمت خواص مركبتي لأطّلع عن كثب
ما لذي دهاه ولماذا يفزع بهذه الطريقة
هل رأى مركبتي فأخافته ؟
لا أدري


أجتمع أهل القرية على صراخه
لم يلبث إلا قليلا فصار يتلوى على الأرض
ثم سكن ودخل في غيبوبة
انقسم الناس إلى ثلاث فرق
قسم يحمله برفق
والبعض ذهبوا مهرولين لبيوتهم ثم عادوا بنفس السرعة
بعضهم يحمل دواء شعبي وآخر حبلاً وثالث سكيناً
وأشياء لا اعرفها
القسم الثالث صاروا يبحثون تحت الشجرة والأشجار المجاورة
خلال دقائق أحضروا ثعبان قتلوه بعصيهم
حاول المعالجون بطريقتهم البدائية يستخرجون السم
لكن إرادة الله تمت
فانتفض الرجل وسلم روحه لبارئها
لكل زمن آفة ومخاطر
ولكل نهاية سبب والنهاية واحدة

اطرق الرجال رؤوسهم وأغمضوا عينيه
فرأيته مسجى كما رأيته قبل قليل نائماً
لا فرق بما أراه فالوضع واحد
إلا أنه بالأولى هناك ما يسكن ذاك الجسد
وبالثانية عادت الأمانة لبارئها

لم يطول الوقت إلا وقد واروه
وانتهى كل شيء

رأيت القرية تموج حزناً
رجال ذبلت أجفانهم واغرورقت أعينهم
نساء لهن أنين بحرقة مكبوتة
أطفال علا صراخهم وعويلهم
تاهت أنظارهم وتفطرت قلوبهم الصغيرة

رقبت الموقف فابتسمت ...
ألم اقل لكم ابتسم لأحزانهم
لأني من فوق أراهم من تلك الزاوية المنفرجة
كمن يقرأ بالتاريخ
فالكل ليس موجود الآن ولا استطيع تمييز من الراحل الأول من الأخير
الملدوغ والمعالج ... الباكي والمبكي عليه
كلهم سلكوا نفس الطريق فصاروا نسيا

مشاكلنا تقلقنا ... فقدنا يحزننا
لكن ماذا بعد حين

كنت أصور هذه الورقة بمكتبي
لفت نظري ذلك الضوء الذي يمر على الورقة فيمسحها
تخيلت أن الدنيا كهذه الورقة والضوء هو الحياة
تمر بسرعة على جزء منها ثم يظلم لينتقل الضوء للجزء التالي
هذه حياتنا فما اقصرها

تقدمت قليلاً لعلي أرى وقت أقرب
بعد بضع سنين وبنفس القرية

امرأة تحمل فوق رأسها قدراً لتجلب المياه لبيتها
ترافقها طفلة لا يتعدى عمرها الثلاث ممسكة بطرف عباءتها
بهرتني تلك الطفلة ... تعلق قلبي بها ... لا أدري لماذا
براءتها ... ابتساماتها ... حركتها ... لا ادري
قد يكون شبهها الكبير بطفلتي هو السبب ( كنت أبحط صورتها وحلفت أم سليمان ما أحطها )
اقتربت فلم تكترث تلك المرأة ولم تغطي وجهها رغم تمسكها وتدينها
بل نظرت لي مبتسمة
صرت أحدث نفسي هل ابتعد أم أقول لها تحجبي
تعلقي بتلك الصغيرة دفعني للمخاطرة
سأتنحنح لعلها لم تحس بي لكن لماذا ابتسمت

لم أر ملامحها خجلاً ...

هناك سر لا اعلمه

عفواً
بما أني بعالم الخيال وقد اشترطت التحرر فكان لابد من التكلم بلهجتهم
- احم ... احم ... يا ولد قلتها وأنا ملتفت
- يالله حي ابوسليمان ( غريبة الحرمة تعرفني )
- من أنتي الله يصلح قلبك وليه ما تغطين ... أو ماني رجال
- لا مانت رجال ( توقعت أن المركبه تصغر العمر وصرت بزر )
- الله يهديكِ من انتي
- تبغاني اتغطى عنك يالخبل انت انهبلت ... ما عرفتني ؟
- اعرفك إذا قلتي من انتي
- انا خالتك ... ما عرفتني الله يخلف على اهيلك بس
طلعت تقصد ماني رجال غريب
صارت خالتي يوم كانت صغيرة
الله يعظم اجرها
( عمرها هالحين حول الميه لكنها بكامل إدراكها ... الله يمتعها بطاعته )
بغيت أحب راسها لكني شفتها اصغر مني ( نسيت اني خارج الزمن )
- طيب هالبنيه الي تاخذ العقل من هي ؟


هي أسكتت
و وقفت ساعتي
صرت أتذكر يوم زرتها
خالتي ... يا حليلها
قالت علوم كثيرة
عن سنين مضت

يوم شافت دانتي
أضحكت ثم أشهقت
ضمت البنية وقالت
هذي أمك ...
يوم كانت صغيره
ما كملت ...
أخنقتني عبرتي
وهي بكت

ثم سكتت ... وسألتها
من اللي معك ؟
طفلة مثل القمر
شفتها تبتسم
وأنتي عند الغدير
بالأيام المطيرة

ناظرتني خالتي
وقرت علي الفاتحة
ونفثت ...
قالت خبل
أحدٍ يشوف أمه
وهي صغيرة


سأعود مع
الدجاجة المشاكسة هــــنا



ابوسليمان

الرياض 21-12-2010

ليست هناك تعليقات: