الســـــــــــــــــــــــــــ ـــادسة
أتاها أحد أبنائها من داخل الشاليه مسرعاً وبيده هاتفها المحمول – الجوال
فتحت الهاتف .... أنه والدها ,
تكلمت بلهفة ..... فإذا هو يكلمها بصوتٍ منكسر
ابنتي أمكِ متعبة قليلاً ولابد من عودتكِ لتريها
ارتبكت واشتد وجيب قلبها ....
تدفقت مشاعر متباينة إلى جوفها حتى اختلط عليها أمرها ولفّها خوف شديد فارتعشت أطرافها
أقفلت السماعة وقد بدا الهلع في وجهها وملاء الفزع عينيها
ذهبت بخطوات مسرعة ومرتبكة إلى زوجها وما أن رآها حتى قراء الخوف بعينيها
سألها ما الأمر ؟
أجابته ..... بأن والدتها مريضة ويجب أن نعود
وأخبرته أن هذا طلب والدها .... وأردفت لو أن الأمر بسيط ما طلب مني العودة
أجابها لا تهتمي ستكون إن شاء الله بخير .... قالها وكأنه يريد أن يقنع نفسه قبل أن يقنعها
رتبوا أمورهم بسرعة وأقلعوا على أول طائرة عائدين
جلست بالقرب من نافذة الطائرة
راحت الطائرة تشق سواد الكون .....
مُنى ترقب الظلام خافقة القلب وعلى مقربة منها أولادها وزوجها
ابنها يحدثها وهي عنه غائبة فقد سبقها خيالها إلى لقاء أمها الحبيبة
صارت تناجي طيفها وتراه بخيالها فترتسم ابتسامة على شفتيها
وصلوا إلى مدينتهم فاتجهوا من المطار للمستشفى مباشرة
قلب مُنى يخفق بين أضلاعها وكلما اقتربوا زادت دقاته حتى كأنه سيخرج من صدرها
دخلت المستشفى وجلة خائفة فقابلت أباها في احد الأروقة المؤدية إلى غرفة أمها
سألته بنهم وخوف وما أن قال لها أنها بخير حتى تبخرت كل مخاوفها
وبداء الأمل يزحف إلى صدرها
ما أن دخلت على أمها فرأتها ذابلة ذبول الشجرة التي قُطع عنها الماء حتى غاض وتبخر تفاؤلها
جلست بجانبها , انحنت لتطبع قبلة على جبينها
قبلتها برقة وهدوء
أحست بوقدةٍ تُلهب جوفها وحاولت أن تجفف دموعها
كادت الأرض أن تميد بها لكنها تمالكت نفسها
نادتها بكلمات يعصرها الأسى
أمي .... أمي .... سلامتك
سمعت الأم صوت ابنتها وكأنه صوت من بعيد
جاهدت نفسها حتى فتحت عينيها لترى صورة مُنى تتراقص أمامها فأحست بطيفها وعجزت عن التعبير بالفرحة التي انتشرت بفؤادها
مدت يدها الضعيفة ببطء فاحتوتها منى بكلتا يديها وراحت تقبلها وهي تحس بخناجر تقطع قلبها وتمزق أحشائها
سألتها بصوت لا يكاد يسمع عن أولادها وزوجها
ثم أغمضت عينيها ومنى لم تتكلم
وضعت رأسها على صدر أمها وكأنها تريد أن ترتشف من حنانها باكية
قبلت رأسها وفي حلقها غصة وخرجت تكفكف دموعها
أبت أن تذهب إلى بيتها رغم تعبها ومعاناتها من السفر فأخذ زوجها الأولاد وذهبوا إلى بيت أمه
عادت منى إلى غرفة أمها هي ووالدها
جلسوا على كنبة مقابلة للسرير يتحدثون بهدوء
صارت تحدث والدها وتخطف النظر لأمها كل لحظة
بعد منتصف الليل ومنى جالسة تنتظر همسة أو كلمة من أمها الحبيبة
حركت الأم يدها فهبّت منى أليها مسرعة
نادتها بصوت لا يكاد يُسّمع .... مُنى
ثم تشهدت وسكتت ..... سكتت سكوت الموت
انفجرت منى باكية وحضنت أمها لآخر مرّة
ذهبت لبيتها حيث كان العزاء هناك
ذهبت تجّر نفسها جرا فقد أثقلتها الأحزان
بعد أنتها العزاء استأذنت من زوجها لمرافقة والدها للقرية
مُنى بالقرية لأول مرة بدون وجود والدتها
دخلت بيت أهلها .... أحست وحشة بداخلها
تذكرت أيامها بالقرب منها .... تذكرت حركاتها بكل تفاصيلها
سمعت صوتها وكأنها تناديها وتحدثها
تسمرت مُنى واقفة لتنصت إلى صوت أمها الذي ينبعث من داخلها ....
ثم افاقت لتذرف دمعة الفراق
اتجهت إلى غرفتها رأت مصلاها وملابس صلاتها ـ شرشف الصلاة ـ
تناولته .... لثمته .... شمت رائحته .... ضمته .... فبكت .... وبكت ....
توشحته ثم صلت به بقلب مكسور .... بدموعً تنهمر
دعت الله .... وتوسلت أن يرحم أمها
لملمت أشيائها ووضعتها بحقيبة لتأخذها معها
ذهبت لغرفتها القديمة
دخلت غرفتها القديمة تذكرت أيامها الخالية
طيبة قلبها .... قربها من ربها ..... توجيهات أمها
فتشت في غرفتها كأنها تبحث عما يسليها
رأتها كما تركتها إلا أن الغبار يكسوها
وقعت عينها على ...........
تابعوني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق