السبت، 22 يناير 2011

- 7 - عالم لا يرى الشمس



صارت مركبتي تحوم
فوق الغيوم
تحت النجوم
أرفع ناظري فأرى عقوداً من اللؤلؤ تشع بظلمة السماء
وأنظر تحتي لأرى الغيوم بالأسفل
كمحصول قطن جمعه الزُرّاع
رأيت بين أكوام ذلك القطن فرجة صغير
لمعت من خلالها نجمة مضيئة
عكسها ماء ببركة
فتيقنت أن هناك حياة
وجدت مكاناً بشرفة بأحد الأبنية الشاهقة
قررت التريث هناك قليلاً
وإذا بي بمدينة تعج بخلق الله

انتظرت طلوع الشمس لعلي أعرف موقعي
طلعت الشمس ولم تطلع
فقد غشاها الضباب
ما أجمل وأروع الشمس بلا شعاع


بدأت الشوارع تغص بالناس
فراكب ومترجل
بائع ومشتري
متسول ومتصدق
من تلك الشرفة صرت ارقبهم
كل يحمل عالم بداخلة
عالم بلا حدود ولا قيود
يذهب ويعود
لا تقف أمامه أبواب موصدة
لا تمنعه المسافات البعيدة من الوصول
يرحل كيف شاء ومتى شاء وأينما أراد
في هذا العالم الذي لا يرى الشمس
كثير من الخبايا والأسرار
حاولت من مركبتي سبر غورها فما استطعت
رغم أنه عالم لا يحتاج الوصول إليه لوسائل تنقل
إلا أنه غامض كغموض البحر
فالبحر نراه مكشوفاً أمامنا ونستمتع
وبداخله أسرار لا يعلمها إلا خالقها
وكما أسبح على شاطئ البحر
سأسبح ببوابة هذا العالم الغريب
كيف لي ذلك
فالعقول مهما حاولت لن أفهمها
ولم أجد بمركبتي أي خاصية تتيح الدخول لهذا العالم
إلا وتطلب معطيات وبيانات لا أملكها
فلابد من بعض المعلومات مهما كانت ضحلة
قررت النزول أليهم لعلي بمناقشتهم أجد معلومة
تفيدني للدخول لهذا العالم
عالم المتناقضات والتقلبات السريعة
والتنقلات المذهلة بلا جوازات سفر أو تذاكر
العالم الواضح الغامض الصادق المتملق
سأختار أعماراً متفاوتة وطبقات مختلفة
لأسبر غور عقولهم لأدخل عالمهم


ابوسليمان

القاهرة 22-01-2011


لازال البحث جاري
عند أول دخول سأعود


رجل بين الكهولة ولشباب
في بضع سنين قد يدخل وادي الكهولة
بمكان عام رأيته شارد الفكر
تأملت تفاصيله
عيناه هاربتان ترى ولا تبصر
متكئ على مسند خشبي بأحد المقاهي المنتشرة على قارعة الطريق
كأس مترعة بشاي شديد الاحمرار
تناولها بحذر خوفاً من تناثرها على ملابسه
لم يرفعها كثيراً بل أقترب بجسمه لها
ارتشف قليلاً ثم وضعها وسرح بعالمه


اقتربت منه
تأملت أن يرحب بي فلم يفعل
أظنه لم يرني جيداً فهو في عالم آخر
جلست بمقعدٍ قريب منه
طلبت فنجان قهوة
صرت ارمقه خلسة
تـُرى بم يفكر
لا أعلم ولن أعلم إن لم اسأله
رمقته مرة أخرى وأنا ارتشف فنجاني بقوة محدثاً صوتاً
لعل صوت القهوة يكون بمثابة الرسالة الأولى
نظر إلي فتقابلت عيني بعينه
ابتسمت لتكون الرسالة الثانية
رأيت ابتسامة بعينيه لا بشفتيه
علمت أن رسائلي وصلت فكان لابد من استغلالها لاختراق الحاجز الأول
بادرت بالاعتذار فقلت
عذراً هكذا نتلذذ بالقهوة
وعذراً إن كنت قطعت حبل تفكيرك ...
أراك شارداً ... ولم اسأله بم يفكر احتراما لخصوصيته
لكني قلت
دعها سماوية تجري بأقدار الله
قال ونعم بالله فعلمت أنني اخترقت الحاجز الثاني
فدعوته لطاولتي وهذا يعني أنه ضيفي
قبِـٍل الدعوة وطلبت له فنجان قهوة
بقي الحاجز الثالث والأخير
تأملت أن يأتي منه
فعدت لأرتشف فنجاني
بنفس الطريقة متعمداً(طريقة شيباننا المدمنين على القهوة عندما يجدونها بعد عناء أو سفر)
فابتسم متعجباً وقال
طريقتكم غريبة باحتساء القهوة
فرددت مستغلاً مبادرته
ليست هذه طريقتنا لكنه إحساس لتباين المشاعر
عندما لا نعرف أين موقعنا بين الخوف والأمان
ثم أردفت : أراك شارد الفكر
في عينيك خوف وفي نبرتك أملاً يترقرق بين دهاليز الآهات
لماذا أنت لوحدك ؟
ألا يوجد من تسامره من الأصحاب
قال بلى لكني انتظر بعضهم ولم يحضر فسرحت مع نفسي
ثم أشار بيده فتابعتها ولم أر شيء
لم يمهلني لأسأله فبادر أترى ذاك العصفور ؟
- نعم وماذا عنه فالعصافير نراها كل يوم
- اعرف ذلك لكني تابعته منذ جلست يذهب ويعود وبمنقاره قشة
- يبدوا أنه يبني عشه وليس بالأمر جديد
- كنت أفكر به !
هل هو يعاني كبد الحياة كما نعاني
هل يخاف كخوفنا من المستقبل وغموض القادم أو أن تدور عليه الدائرة

من هنا دخلت إلى عقله فلم أر العصفور الذي تكلم عنه
بل رأيت أُناس ترتفع ثم تهوى
فيعقب نزولهم علامات استفهام حمراء يخالطها ندم وحسرة
وأناس كانت بالقاع مطمئنة فتقلع إلى القمة
فيعقب إقلاعهم ضياع ونسيان

رأيت حروباً تدور رحاها هنا وهناك
سيوف مسلولة وقلاع محصنه
خناجر مسمومة ودماء طاهرة تسيل على الأرض
أُناس يبحثون عن النجاة وآخرون يريدون الدمار
بحثت وبحثت فلم أجد أثراً لذاك العصفور
فليس للطيور الصغيرة مكان في عقله
أفقت
فسألته : ما يعني لك ذلك الطائر الصغير
قال لا شيء
لكني تمنيت أن نكون مثله فهو لا يفكر إلا بيومه
لم يُشغل نفسه بالأيام القادمة فعاش مسروراُ
عرفت أن ذاك العصفور مجرد رمز لأمنية غائرة
أمنية القدرة على الأمان والتوكل
قبل أن أودعه سألته
ما أصعب شيء تخافه
قال الموت بالحياة
فنظرت إليه مودعاً
أجعل الحياة بالموت يهون عليك الموت بالحياة


يتبع ... سأعود

ليست هناك تعليقات: