في ليلةٍ من الليالي كنا جلوساً في أحد الاستراحات مع رفقةٍ طيبه
وكنت أصغر الموجودين سناً حينها...
كان الحديث يدور بيننا عن كل ما يدور في هذه الدنيا من متغيرات ومستجدات
بل يعود حيناً إلى الماضي
ويقفز مرةً إلى المستقبل المجهول
وكانت الكلمات تتجاذب والمواضيع يجر بعضها بعضاً لنبحر في مواضيع جديدة
فأي مشكلة تقع على خارطة الزمان أو المكان
مهما كان وقتها ومكانها نجد لها حلاً ميسراً وسهلاً
لننساه بمجرد فتح موضوع جديد .....
حتى حطت رحالنا على موضوع كان في وقتها قريب منا .... أو أنها ألصدفه....
ولكنها إرادة الله سبحانه....
أنه موضوع الزحام بالحج ومشاكله
وكالعادة وجدنا الحلول وانتهت كل المشاكل على الأقل بمخيلتنا
ولماذا لا نجد الحل ونحن فقط نعالج المشاكل نظرياً بعيدين عن دوامتها لم ندخل في اشتباكاتها فما أسهل أن نقول وما أصعب أن نطبق ....
أحد الجالسين قال مازحاً....
لماذا لا نذهب فنرى بأعيننا
فقفزة الأفكار مزدحمة إلى سطح مخيلاتنا
واستوقفني كلامه فأنني لم أحج فرضي
والحج يجب ألا يؤجل وهو ركن من أركان الإسلام
وكالعادة نسينا ما نتحدث عنه وبدأنا نفكر بجدية أن نقوم بأداء هذه الفريضة وكان الحديث موجهاً لي ولبعض الموجودين ممن لم يحجوا
اتفقنا وكنا خمسة أشخاص
أتى اليوم الموعود وتحركنا من الرياض على سيارة أحدنا
متجهين إلى بيت الله الحرام لنأخذ عمرتنا ثم نتجه إلى منى
فوصلنا منى قبل أن تزدحم وكنا في مكان رائع
أرض مسورة فيها مطبخ وجلسة مطلة على منى
ففيها يسرح الإنسان ويبحر في ملكوت الله
سبحان من جمعهم
كل الأجناس وكل الطبقات
غنيهم و فقيرهم.... كبيرهم وصغيرهم....أميرهم وغفيرهم
لا فرق بينهم ....كلهم بالبياض متشحين
ولرؤوسهم كاشفين....محلقين ومقصرين
رأيتهم من مكاني كالسيل الجارف
في هذه اللحظة
نسيت نفسي كالعادة
وصار يطوف بمخيلتي أضداد الأفكار
فرأيت بخيالي عكس ما أراه بعيني
وسأعيش معكم بخيالي قبل أن عيش واقعي
ثم سأعود
يدور بمخيلتي وأتأمل
تلك الشوارع والمحلات المقتضة برجالٍ عابثين لاهين هذا يلاحق بنظراته امرأة فتنته بتبرجها
وذاك يروج لمحرمات تدنس الدين والبدن
وتلك النساء يتمايلن بالأسواق والممرات كاسيات عاريات
وشباب يتقلبون بالرذيلة ويتفننون بالمعاصي
وأطفال يرضعون الخطيئة والدنس
فلا رجالٍ سعدوا.......
وقد وهن النساء.....
وضاقت بالشباب صدورهم.....
وما ندري ما مصير الأطفال وما ينتظرهم من مستقبل يحفه سواد الأيام .... وظلمات الليالي .... فما أتعسهم بما هم فيه وما أشقاهم
إن لم يدركهم الله برحمته
وأنظر حولي فأرى
هذا يقرءا القرآن فيذوب عقله وقلبه بتلك المعاني ويسرح خياله في ملكوت الله ويستشعر عظمته سعيداً بعالمه
وذاك راكعاً ساجداً يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه
وتلك المرأة بكامل حشمتها رافعة يديها نائية عن فضول البشر متوارية بأحد الأعمدة تسأل ربها من خيري الدنيا والآخرة
فالكل يناجي خالقه
منهم من طلق الدنيا بحثاً عن الآخرة
ومنهم من يسأله سبحانه من خيري الدنيا والآخرة
منهم المظلوم ينتصر
والفقير يطلب رزقاً
والمريض يسأل شفاء
ومكروباً يرجو فرجه
والكل يسأل حاجته فيعطي سبحانه وتعالى من يشاء بكرمه
ويرجي من يشاء بلطفه
ويمنع من يشاء بحكمته
والسعادة ترفرف بضلالها عليهم ووجوههم تشع بنور الرضاء والتصديق والاتكال
فأذهب إلى خيالي تارة...وأعود إلى واقعي أخرى
فأرى بخيالي ما بأولئك من ضيق وكمد
ومصارعة الحياة بغير هدى
فهم تعساء يتخبطون
نائمون على الخوف
مستيقظون على الوهن
استعبدتهم شهواتهم واستوقفتهم ملذاتهم فضاقت بها أنفسهم
وما بهؤلاء من سعادة ونور
فقد نسوا الدنيا وزخرفها
فكأني أرى همومهم تنحدر كما ينحدر العرق من أكتافهم
فهم بحضرة من كفاهم هموم الدنيا
ويسر لهم سبيل النجاة
قد رموا عليه شكواهم فاتكلوا وسألوه غايتهم فسعدوا.
فلهم همم عالية لا يقدر عليها من كانوا بتلك الديار فهم يرسمون لمستقبلهم بهدوء وروية ويعرفون طريقهم بعيداً عن تخبط الشيطان ورجسه.
ما أكثر ما نشد رحالنا لهذا المكان ولكن في كل مرة ينتابنا أحساس بأنها المرة الأولى
ولا ادري لماذا...؟
أهو الشوق... أم أن ثقافتنا تتغير فنرى ما لم نره بالمرات السابقة
أم أن هناك أسباب لا نعرفها....فقط نحسها.... فالقلب لا يترجم كل ما فيه من حب وشوق ولهفة والعقل لا يميز كل ما يحسه القلب
وهكذا نحن البشر ضعفاء بتفكيرنا
فلا نفقه كثيراً مما يدور حولنا...
دائماً نبحث عن المجهول ولا نعرفه فنتخبط في دهاليز الحياة المظلمة
بظلام لا تراه أعيننا...
فلا نصل إلى الحقيقة الغائبة عنا فنضل تائهين ولا ندري عن ذلك
فالكل يعتقد أن عقله أرشده إلى الصواب....
فيتبعه من لم يكلف نفسه بالتفكير
إلا من هدى الله لطريقه المستقيم
وكنت اسرح بخيالي بهذه البلدة المباركة فكأني أرى سيد البشر صلى الله عليه وسلم وهو ينادي على الصفاء يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فأني لا أغني عنك من الله شيئا
وأغوص حيناً بتلك الجبال المظلمة الموحشة فيتبادر لذهني أبو الأنبياء قادماً مع زوجته ورضيعها عليهم السلام
فيتركها بين جبال موحشة مقفرة لا حياة فيها
فلا ماء يكفي ولا طعام يرد جوعها... لم يخف عليها من كثرة السباع وانعدام البشر ولا يدري هل تستطيع أن تقاوم لبضعة أيام أو لساعات فالحرارة عالية والجبال شاهقة والظلام يسود ولا تخلوا هذه الجبال من السباع والوحوش ولا تدري هل يأتي من ينقذها أو من يهلكها أو انه لن يستدل عليها أحد فهي ليست بطريق تجارة أو قريبة من الناس ولكنه التصديق والطاعة لله سبحانه
ومرة أتخيل صناديد قريش وهم يعربدون بهذا البيت الطاهر فهذا يعبد صنماً وذاك يعاقر خمراً
فيتجلى حلمه سبحانه وتعالى .... حيث أمهلهم إلى أن تمت مشيئته
فخرج من بين أظهرهم سيد البشر الذي أشعل فتيل التحول
خرج من جاء بالنور الذي بداء يضيء بقلوب فتيان قريش فيبدد الظلام
بين هذه الجبال
فيكبر ...ويكبر ...ويكبر
ليشع في جميع أقطار المعمورة
ليبقى ما بقي الناس على الأرض
هناك تعليقان (2):
ابداع رائع اخذني
الى اطهر بقاع الارض
المكان الذي يبقي في قلوبنا شوق ولهفة له كل مره اكثر من التي قبلها
استمتعت وانا اقرأ واعيـد القرااءه مرات ومراات
احتار مني القلم وعجزت اناملي برد اكثر
مشكووور
http://www.alsadiqa.com
إرسال تعليق