الأحد، 12 يوليو 2009

اتركها إنهــــــــــــا صديقتي

بسم الله الرحمن الرحيم
عندما أفاقت الشمس من مخدعها مرسلة بأشعة حمراء واهنة فلم تستعد قواها بعد.
ولكن لابد أن ترسلها لتقوم بعملها الذي أمرها الله به
فصارت تزيد رويداً رويدا…إلى أن التهبت وتوهجت,
فاضطررنا أن ننزل من مكاننا الذي بتنا فيه حيث لا شجرة تقينا ولا خيمة نستتر بها.
فنزلنا إلى أحد الأودية القريبة لنجد مكاناً تحت شجرة باسقة
حيث الظل الوارف والهواء العليل
بدأت بتجهيز المكان وما التجهيز إلا وضع فراش ومخدتين للإتكاء وإشعال جذوةً خجولة وبعيدة نوعاً ما لنتقي حرّها ,
فقط لنضع حواليها أبريق الشاي ودلة القهوة فنحن لسنا بالشتاء ولكنها رحلة صيد .
تفرق الجمع كل من ناحية بحثاً عن القميري والدخل والصفار وأنا كعادتي ولأني لست هاوياً للصيد ولكن من حبي للبر ذهبت لأستمتع,
جلست بين الأشجار والأحجار واتخذت من الوسادتين متكاء وبيدي كأساً مترعة بالشاي المخدر على الجمر
فحيناً أضع وسادتي يميناً وحيناً يساراً مستمتعاً بنسمة هواء باردة تداعب الأغصان و تلاعب قلبي ومشاعري التي أنهكتها عوادم السيارات وضوضاء المزامير وصخب المدينة....
لا يحجب ناظري غير الأفاق التي تبدو بين التلال... وزرقة السماء الصافية ....فلا ازدحام يقيد حريتي ... ولا منازل وعمائر تحجب ناظري .... ولا أُناس يجاذبونني أنفاسي

مستمتعاً بخلوة أتأمل فيها خلق الله سبحانه.... فما أبدع هذا وما أجمله ........
مرة أتابع نملة تعمل بجد ونشاط تنقل قوتها في فمها من مكان بعيد إلى بيتها تحت جذع الشجرة ....
أُتابع معاناتها باهتمام بالغ وهي تكابد الصعود والهبوط بين الأحجار الصغيرة فمرة تتعثر وأخرى تسقط ثم تعود بإصرار الأبطال وعزيمة الشجعان بلا كلل ولا ملل

ومرة أغرد مع عصفور يتقلب في الهواء يهبط ويعلو برشاقة وبهلوانية
وكأنه يبث في الريح أسراره
لا يفكر بغده ...ولا يؤثر عليه ماضيه
يعيش ليومه متكلاً برزقه على خالقه

وتارة أتمايل مع الأغصان وأُناجيها مناجاة طفل رضيع يتابع التفاتات أمه
فكلما تحرك غصن ظننته يحييني

لقد نسيت نفسي وأبحرت مع الطبيعة التي أبدعها الخالق سبحانه
وقد ذابت أحزاني .... وهمومي .... ومشاكلي
فعشت بطبيعتي كذاك العصفور الذي لا يكف عن التغريد
سكون ... وهدوء .... تأملات .... وهواجس
وفي هذه الأثناء وأنا غارق بسكوني كانت مني التفاتة لا إرادية
فلاحت لي حمامة (قميرية) من بعيد ........
لفتت انتباهي وهي تطير من شجرة وتحط على أخرى وبما أنني مع مجموعة صيادين فقد اكتسبت بعض غرائزهم.......
تابعتها إلى أن حطت على شجرتي ..... ففكرت أن أكون صياداً كبقية زملائي وتذكرت أن بسيارتي ساكتون ولكني تثاقلت خوفاً من إحساسها بحركتي فتطير....
وصرت استرق النظر إليها من بين الأغصان لعلي أجد غفلة منها لأنفذ ما أريد
فإذا بها لم ترفع عينها عني
ولم تمنحني فرصة الحركة فبادلتها النظرات باسماً معتقداً أن بسمتي ستريحها فلا تهرب
فتجمدت مكانها ولا ادري خوفاً مني أم جرأة علي
وتجمدت أنا مكاني ولا أدري أيضاً خوفاً من هربها أم تأملاً
فسرحت مع خيالي وأنا اسرق النظر إليها
فقلت كعادتي (اركدي مامعي سلاح) وأنا أحرك يدي
فاهتز الغصن وأيقنت أنها طارت ونظرت إليها
فإذا بها بمكانها
إذاً لماذا يهتز الغصن أنها تضحك فتوسعت رقعة الخيال عندي
وصرت أُناقشها وأسمع منها
وصار بيننا الحوار التالي




فسألتها
ما لذي يضحكك أيتها الحمامة الشهية (قلتها وأنا أتخيل القدر الكاتم وهي متربعة مع أخواتها فوق حبات الرز)
وكنت أتذكر بعض أفلام الكرتون والأسد يحاور وعلاً ضعيفاً بكل تجبر وتهكم
ضحكت مرة أُخرى وقالت أضحك عليكم يا مساكين....ليش ما قمت وجبت سلاحك وصدتني وأنا جاية لك بنفسي .... يعني مريحتك من الركضة بها لشعبان مثل أخوياك



بصراحة أنا خجلت ...... حسستني بضعفي
ولكني تجلدت لعلها لا تحس هي به
وسألتها ليش....؟
تبغين تنتحرين..!!!
فأجابت وبدون حرج بنعم
استغربت وقلت لها الأنتحار حرام
ضحكت وقالت حنا غير مكلفين وبعدين انتحاري مفيد حنا مسخرين لكم يعني تبي تأكلني وبكذا أكون أديت رسالتي
قلت لها خلينا من الكلام هذا....
كل واحد يحب الحياة ولايبي يموت
أكيد فيه سبب
هي شافتني مرتبك وخجلان وقالت هذا ما عندك أحد ابسولف معه
واعلمه قدره
وقالت لي أبقص عليك قصتي من الألف للياء بشرط ألا تقاطعني
فأوميت لها أن تفعل وبدأت بالكلام.....قائلة


كنت فرخاًً صغيرة لا اعرف من الدنيا سوى منقار أمي عندما تحضر الطعام
فلما اشتد عودي وتعلمت الطيران صرت العب بين الأغصان لاهية
بين عشي وأعشاش جيراني
وفي يوم من الأيام
رأيت جدتي التي تحبني وتقص علي مغامراتها في شبابها وكيف قطعت القفار والبحار مع سربها في أيام هجرتها
وحدثتني كثيراً عن بلدكم رغم تصحرها إلا أن فيها خير كثير
فتمنيت أن أكبر بسرعة....
لأرى بعيني......
وليتني لم اكبر
فلم أرى ما أخبرتني به جدتي
فلو سمعتها وهي تصف بلادكم ...تصف طيبتكم...
كثيراً ما قالت لي سمعت من يقرأ القرآن بقلب مخلوع
تحت الأشجار وفي أفنية المنازل
هذا ما رأت جدتي....
ولم أرى إلا رجلاً يتابع نملة
انتم أيها البشر جبارون تذنبون وتتمادون بذنوبكم
فتهلكوننا وتهلكون أنفسكم
اتأمنون مكر الجبار
كم من الطيور قتلتم لمجرد أن قليلا ًمنها مريض.
كم من الأموال جمعتم بلا مبالاة حلالاً أم حرام.
قاطعتها قائلاً:
لا إله إلا الله ... أنتِ مجنونة
سكتت حمامتي فتذكرت أنها اشترطت علي عدم المقاطعة ولخوفي من زعلها رفعت رأسي معتذراً وإذا بالغصن يتمايل
وحمامتي ترتجف عليه
فقلت في نفسي هكذا يزعل الحمام
وأيقنت أنها ذاهبة قبل أن تكمل حديثها
ولكنها سكنت و نظرت إلي باستغراب ولم تنبس بكلمة
فاعتذرت لها فزاد استغرابها بدون أن تحرك ساكن
فسألتها اهكذا تزعلون معشر الحمام
قالت لم أزعل وما يزعلني
مقاطعتك لي ليست سبباً رغم وعدك بذلك... لأني أعرفكم معشر البشر لا تلتزمون مواثيقكم
ولكنك قلت كلمة....

نعم قلت بأنكِ مجنونة

فردت لا قلت كلمة أُخرى نعتك لي بالجنون لايهمني ولا يحرك بي ساكناً

أيتها الحمامة لا تتبلي علي ..... لم أقل غير ذلك

قالت هل تذكر كلامي عندما قلت أنكم مساكين
أنت قلت غير ذلك
الم تذكر الله
الم تقل
لا إله إلا الله أنت مجنونة
هذا يا مسكين ما جعلني ارتجف وما التفت لقولك أني مجنونة
ألا تعرف عظمة من ذكرته ولم تهتز ولم يتحرك قلبك وأنا ارتجف خوفاً وتعظيماً
ألستم مكلفون...ألستم تقرأون القرآن
لقد ذكرت من اهتزت لعظمته السماوات والأرض
لقد ذكرت من وسع كرسيه السماوات والأرض

هنا ...هنا...
رجعت لنفسي... استشعرت عظمته سبحانه
هنا
جف حلقي وارتجفت عظامي
هنا فقط عرفت معنى التدبر وحضور القلب الذي دائماً اسمعه ولم أعيشه
هنا
تذكرت آية كريمه
{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }الزمر67
فانقبض قلبي وتسللت دمعة أحرقت مقلتي
هنا
وجدت نفسي بحاجة لسجدة أعظم فيها خالقي وأنا مستشعر عظمته لعله يرحمني
هنا ذُهلت ونسيت الحمامة ونسيت زملائي وهمت في عالمي
وما أيقضني من تأملاتي إلا صوت أحد زملائي قادماً من أطراف
الوادي ففرت الحمامة وصار مرماها غير بعيدٍ عنه
فصحت بأعلى صوتي
اتركــــــــــــــــــــــها أنــــــــــــــــــــــــــــها صــــــــــــــــــــــــــــــــديقتي
تركها وعاد أدراجه وفرت الحمامة فبقيت وحدي
بقيت وحدي ولكني بقلبٍ غير قلبي وبعقلٍ غير عقلي
مددت نظري ألى الصحراء الواسعة خلف الوادي الذي أجلس على ضفافه
هيضتني الحمامة فصرت أتفكر وأتذكر
أدركت أننا قومٌ نقرأ ولا نفهم
نقول ولا نعلم
عرفت أننا فعلاً نجهل من نعبده وإلا لما رددّنا أسمه كما نردّد أي كلمة عابرة
عرفت لماذا الهوان والذلة تصيبنا

نظرت إلى حجرٍٍٍ بعيدٍ في البيداء لا يتعدى حجمه حجم علبة الكبريت من البعد ولكني اعرفه فقد مررت بجانبه فهو بحجم غرفة من غرف منزلي الذي اسكنه ولكن بعد المسافة جعله صغيرا
هل تخيلتوا المسافة والبعد بالصحراء التي كنت اجلس على ضفافها علمتني تلك الحمامة الصغيرة ضعفي
الله اكبر ... الله أكبر
كل هذه الصحراء الواسعة وهذا البعد ،
ماذا لو رمينا بوسطها حلقة بحجم اسوارة المعصم
هل نحس بها أو نراها مقارنة بحجم الصحراء المخيف
سبحانك ربي ما أعظمك
كل الكون بمافيه الأرض والسماء الشمس والقمر النجوم والكواكب والمجرات البعيد منها والقريب
بملايين الأميال التي تفصلها عن بعضها

كلها مجتمعة بجدار كرسي الرحمن كحلقة بهذه الفلاة
هل تخيلتوا الحلقة الصغيرة بهذه الصحراء الواسعة
والكرسي جزء من عرش الرحمن
فكيف بالعرش وكيف بمن استوى فوق العرش

وسع كرسيه السماوات والأرض

نقرأها في أورادنا وفي صلاتنا
ولكننا لا نتدبر ما نقرأ
لذلك ما قدرنا الله حق قدره
ما اجهلنا وما أصغرنا
فلو تدبرنا لانخلعت قلوبنا
تذكرت قول الحمامة على لسان جدتها
أنها ترى من يقرأ القرآن بقلب مخلوع
وهي لم تر إلا رجلاً يتابع نملة



محبكم ابو سليمان
22/02/2008

هناك 4 تعليقات:

غير معرف يقول...

سبحـآن ـآلله


مـآ شـآء ـآلله


رآآئـع ـآلحرف


سلمت يمنـآكـ


وفقكـ ـآلله

ابوسليمان يقول...

الله يسلمك كائن ماكنت

قدومك اروع

وعودتك اجمل فنحن دوماً بالأنتظار

غير معرف يقول...

لااله الاالله
تصوير جميل لحوار شيق
عن عظمة الخالق ...

اهنئكٌ على كل كلمه كتبها قلمك المبدعٌ .. تحياتيٌ لكٌ .

غير معرف يقول...

أبكيتني رغم أن كلمة شعبان فاجئتني ليتك قلت شعاب وهكذا بقية الخاطره
إنها رائعة السبك رائعة الفكره لكن اللغة فيها يبدو أنها تأثرت ببكائك